سيد قطب

2860

في ظلال القرآن

فريضة ، كي يتاح للأم من الجهد ، ومن الوقت ، ومن هدوء البال ، ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب ، وما تهيئ به للمثابة نظامها وعطرها وبشاشتها . فالأم المكدودة بالعمل للكسب ، المرهقة بمقتضيات العمل ، المقيدة بمواعيده ، المستغرقة الطاقة فيه . . لا يمكن أن تهب للبيت جوه وعطره ، ولا يمكن أن تمنح الطفولة النابتة فيه حقها ورعايتها . وبيوت الموظفات والعاملات ما تزيد على جو الفنادق والخانات ؛ وما يشيع فيها ذلك الأرج الذي يشيع في البيت . فحقيقة البيت لا توجد إلا أن تخلقها امرأة ، وأرج البيت لا يفوح إلا أن تطلقه زوجة ، وحنان البيت لا يشيع إلا أن تتولاه أم . والمرأة أو الزوجة أو الأم التي تقضي وقتها وجهدها وطاقتها الروحية في العمل لن تطلق في جو البيت إلا الإرهاق والكلال والملال . « وإن خروج المرأة لتعمل كارثة على البيت قد تبيحها الضرورة . أما أن يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها ، فتلك هي اللعنة التي تصيب الأرواح والضمائر والعقول ، في عصور الانتكاس والشرور والضلال « 1 » » . فأما خروج المرأة لغير العمل . خروجها للاختلاط ومزاولة الملاهي . والتسكع في النوادي والمجتمعات . . فذلك هو الارتكاس في الحمأة الذي يرد البشر إلى مراتع الحيوان ! ولقد كان النساء على عهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - يخرجن للصلاة غير ممنوعات شرعا من هذا . ولكنه كان زمان فيه عفة ، وفيه تقوى ، وكانت المرأة تخرج إلى الصلاة متلفعة لا يعرفها أحد ، ولا يبرز من مفاتنها شيء . ومع هذا فقد كرهت عائشة لهن أن يخرجن بعد وفاة رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم ! في الصحيحين عن عائشة - رضي اللّه عنها - أنها قالت : كان نساء المؤمنين يشهدن الفجر مع رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ثم يرجعن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس . وفي الصحيحين أيضا أنها قالت : لو أدرك رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد ، كما منعت نساء بني إسرائيل ! فما ذا أحدث النساء في حياة عائشة - رضي اللّه عنها - ؟ وما ذا كان يمكن أن يحدثن حتى ترى أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كان مانعهن من الصلاة ؟ ! ما ذا بالقياس إلى ما نراه في هذه الأيام ؟ ! « وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى » . . ذلك حين الاضطرار إلى الخروج ، بعد الأمر بالقرار في البيوت . ولقد كانت المرأة في الجاهلية تتبرج . ولكن جميع الصور التي تروى عن تبرج الجاهلية الأولى تبدو ساذجة أو محتشمة حين تقاس إلى تبرج أيامنا هذه في جاهليتنا الحاضرة ! قال مجاهد : كانت المرأة تخرج تمشي بين الرجال . فذلك تبرج الجاهلية ! وقال قتادة : وكانت لهن مشية تكسر وتغنج . فنهى اللّه تعالى عن ذلك ! وقال مقاتل بن حيان : والتبرج أنها تلقي الخمار على رأسها ولا تشده فيداري قلائدها وقرطها وعنقها ، ويبدو ذلك كله منها . وذلك التبرج ! وقال ابن كثير في التفسير : كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء ؛ وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها . فأمر اللّه المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن .

--> ( 1 ) عن كتاب : « السلام العالمي والإسلام » فصل : « سلام البيت » ص 54 - 55 « دار الشروق » .